هل تصل سفينة ركابها ليسوا على قيد الحياة ؟!

 

kush5

لا يختلف أحد أن بناء وتنمية الإنسان هو أهم عنصر من عناصر وتوجهات استراتيجية بناء الأوطان ، وأي إغفال لهذا الجانب فإن مصير أي مشروع تنموي هو الفشل ما لم يحمل في طياته الجانب الاجتماعي والسلوكي والفكري ، ووجود مراكز متخصصة للبحوث والدراسات الاجتماعية والفكرية والسلوكية أمر في غاية الأهمية لدراسة وتحليل البيئة الاجتماعية بجميع عناصرها وموائمة أي مشاريع تنموية مع الواقع الاجتماعي والسلوكي والخروج ببرامج مكثفة ومشاريع وقوانين وقرارات ومبادرات تدفع عجلة التنمية الإنسانية ليكون الفرد عنصراً فاعلاً بل ومسرّعاً لتحقيق برامج ومشاريع التنمية الأخرى ، ولنضمن علاوة على ذلك أن أي قرارٍ تنموي إنما يصب في مصلحة بناء الإنسان أولاً دون أن يؤثر تأثيراً بالغاً على سير حياته اليومية أو يهدد أمنه أو يؤثر في وطنيته أو ولائه وانتمائه ، ولأجل هذه الأهمية البالغة لوجود مراكز متخصصة تحتضن جميع أطياف العقول من مفكرين وفلاسفة وعلماء نفس وخبراء سلوك وباحثين اجتماعيين وغيرهم ، أقول ، ولأجل هذه الأهمية كانت دول عظمى كأمريكا مثلاً لا تعتمد في قراراتها وتوجهاتها على السياسيين أو الاقتصاديين أو على الأحزاب فقط ، بل تعتمد بشكل كبير جداً على مراكز الدراسات والبحوث كـ (مركز التقدم الأمريكي ) و (مركز كاتو ) و ( مركز بيو للأبحاث ) و (مؤسسة راند ) و ( معهد بروكينغز ) الشهير ، وغيرها الكثير من المراكز والمعاهد البحثية التي تقوم بعمل فعلي على أرض الواقع ، لا مجرد نشر مقالات أو طباعة بحوث تكون نهايتها أرفف المكتبات وخيوط العناكب ..!!

حينما أتأمل الحركة الاجتماعية والفكرية للمجتمع السعودي أجد أننا مررنا بتحولات كثيرة جداً في فترة زمنية قصيرة أثرت بشكل واضح على النسيج الاجتماعي والفكري والسلوكي ، فأتساءل يا ترى هل تم توثيق ورصد هذه التحولات ودراستها وتحليلها ووضع التنبؤات ورسم المسارات التي تكفل للمجتمع السعودي أن يكون مواكباً للحضارة والانفتاح وأن يكون قادراً على استيعاب التغيرات المتسارعة في ظل الانفتاح المعرفي الرهيب والتعامل بشكل مثالي معها ، وهل أخذت تلك الدراسات – إن وجدت – منحى إعداد وتهيئة المجتمع أن يكون فاعلاً مع الحضارة لا متفاعلاً معها فحسب وأن يضيف لها بدلاً من أن يكون مصدراً خاملاً وظيفته التلقي فقط ..

طبعاً ( لا ) بكل اختصار ..!

نحن اليوم في المملكة نعيش انتفاضة غير مسبوقة وتحولات كبيرة ومفصلية وحساسة جداً على جميع المستويات وتمس جميع فئات المجتمع وذلك تحت مسمى رؤية 2030 التي انعشت فينا روح الأمل بمستقبل باهر لوطننا وللأجيال القادمة .. ومن المفروغ منه لدى كل مطلع ومتأمل وباحث أن أي تغيير جذري يطال الشعوب والمجتمعات لا بد أن يمر بمراحل تكثر فيها الصعوبات والأخطاء إلى أن تتوازن السفينة ثم تشق طريقها بأمان .. وحتى لا تغرق تلك السفينة قبل أن تبلغ هدفها كان لزاماً تهيئة ركاب السفينة لهذه الرحلة حتى يساهموا بشكل فاعل في إيصال السفينة لبر الأمان .. كما أنه من الخطأ الاهتمام بالسفينة دون الاهتمام بركابها فهي لن تصل إن لم يكونوا على قيد الحياة مثلاً أو ليسوا على قناعة بالاتجاه الصحيح .

هناك العديد من التساؤلات التي سأطرحها من باب ذكر الأمثلة فقط والتي تمثل هاجساً حقيقياً لنا كأفراد مدركين حجم التحول الذي نحن مقبلون عليه  ..

  • ما مصير (جيل الابتعاث) الذي اغترب في بيئة مختلفة عن بيئته وتعلم وتميز ثم عاد لوطنه يرغب بأن ينتج ويعمل ثم يصطدم ببيئة بيروقراطية سلبية لا تراعي تمكين المبرزين وتوفير المجال الآمن لهم لممارسة وتطبيق ما تعلموه ..

  • كيف سنسير نحو الرؤية الجديدة بأهدافها وطموحاتها دون القضاء على الحروب الطائفية والمذهبية التي تطحننا كل يوم إلى أن أصبح أطفالنا في المرحلة الابتدائية يشاركون فيها وببسالة ..!

  • ما الذي يجعل قرارات سهلة لا تحتاج إلى كل هذا الوقت للظهور للعلن كقانون ( التحرش ) مثلاً أن يتأخر حتى هذه اللحظة ..؟

  • في ظل الانفتاح المعرفي تغيرت الكثير من السلوكيات والمفاهيم .. إلى أين يتوجه جيل اليوم .. ما البرامج الاجتماعية والنفسية والسلوكية التي صممت لهم للحفاظ عليهم والاستفادة من مواهبهم في تفعيل برامج التنمية ؟

  • الثقافة العامة والسلوكيات الاجتماعية لدينا ( أفراد ومؤسسات ) هل تم رصدها وتحديد مظاهرها السلبية في مبادرة لإحداث تحول ثقافي وسلوكي يتوائم مع العصر الجديد الذي نتجه نحوه .

الأسئلة كثيرة جداً .. والخلاصة أننا بحاجة لمركز بحوث ودراسات ( اجتماعي فكري ) يقوم بأدوار حقيقية كي تصل سفينة (2030 ) إلى بر الأمان بأقصر وقت وبأقل الخسائر .. بشرط تحقق التالي :

  • ألا يقتصر دور المركز على إجراء البحوث وإقامة الندوات وترجمة الدراسات الأجنبية ثم طباعتها ثم تعدادها من ضمن الإنجازات .. لا لا .. هذا الدور يمارسه المركز الوطني للدراسات والبحوث الاجتماعية مشكوراً .. يجب أن يكون دور المركز متكامل ( النزول للشارع – الدراسة والبحث – ورش العمل – التحليل – وضع البرامج والحلول – متابعة وتقصي النتائج بعد التنفيذ وتقديم تقارير دورية لصناع القرار ) يعني (مو تسليم مفتاح وبس .. لا .. أيضاً خدمات ما بعد البيع) .

  • أن تكون توصيات المركز معتبرة إلى حد كبير إن لم تكن نافذة وأن تكون معلنة بكل وضوح وشفافية ، وأن يكون القائمون عليه مستقلين لا يحسبون على تيار أو طائفة .

  • أن يضم المركز عقول متنوعة في كل التخصصات الإنسانية ( فلاسفة ، علماء نفس واجتماع ، مفكرين ، أطباء نفسيين ، باحثين نفسيين واجتماعيين ، خبراء سلوك .. إلخ )

  • أن تتم الاستفادة من بيوت الخبرة الأجنبية لكن لا يتم تسليمها مشاريع المركز وإلا لن ننجح أبداً .

كم هو جميل أن نتجه للهدف السليم بالطريقة السليمة .. أتمنى لوطني كل التوفيق والنجاح والتميز .

كتبه

أحمد عبدالعزيز الجبرين

22-4-1438هـ

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: