القطاع العام .. ومنظومة الخلل

CNHI6fXUEAA3uvF

 

بحكم اهتمامي ببيئة العمل وبحكم خبرتي في المجال الإداري لأكثر من 14 سنة وبحكم احتكاكي بالكثير من موظفي القطاع العام أجد الكثير من الإحباط يتنامى في العديد من بيئات العمل الحكومي ، ومن خلال متابعتي للعديد من النقاد المهتمين بهذا الشأن للأسف أجد أن كل كاتب ينقد ضعف أداء الموظف الحكومي ويعزوه لسبب ويغفل منظومة الأسباب الأخرى لأنه يكتب عن تجربة شخصية أو تجربة نقلت له مما يجعل تناول الموضوع باهتاً وفقير .

القضية أكثر تعقيداً من أن نتناولها في مقال فلدينا منظومة معقدة من الأسباب التي تجعل بيئة العمل في القطاع العام (الحكومي) بيئة منفرة ومحبِطة وباعثة على الملل ، ليس من طبعي الحديث بسلبية ، لكن من الحمق أن نجد الخلل يتنامى ونظل نتفائل دون أي تحرك نحو تصحيح الأمور .

وحتى أستطيع أن أستوعب ( النقاط الأساسية فقط ) لمنظومة الخلل في القطاع العام كما أراها في هذا المقال ، فسأذكرها على شكل نقاط محاولاً قدر الإمكان الاختصار دون إخلال :

  • سأبدأ بالحلقة الأضعف دائماً ( الموظف المسكين ) ، فأغلبنا لديه صورة ذهنية عن الموظف الحكومي أنه ضعيف الإنتاجية والتأهيل وعلى أقل تقدير أنه أقل من موظف القطاع الخاص ، وأنا أتفق جزئياً مع ما يقال ، لكنني أرفض أن يتم الحديث عن ضعف الإنتاجية أو التأهيل دون بحث أسبابها بشكل موضوعي ودون تحيز لطرف على حساب آخر وهنا مربط الفرس ولأجل ذلك كتبت هذا المقال ، علاوة على ذلك أنني عرفت وزاملت موظفين في القطاع العام لديهم من الفكر والإبداع والتأهيل والمهنية والإنتاجية ما يفوق بكثير بعض موظفي القطاع الخاص ، وهذا لا يعني أنني أُبريء الموظف من التهمة وإلا لن أكون موضوعياً في طرحي ولكن الموظف الضعيف موجود في كل بيئة وفي كل قطاع ولكن ما يعزز هذا الضعف (غالباً) ما يكون سبباً خارجياً وليس الموظف فقط ، فالموظف متى ما وجد بيئة تجنح للظلم أو الإهمال أو الاستغفال فإنه إن كان ضعيف النفس فسوف يجنح لها ، أما إن كان سامياً عن ذلك فإنه في أحسن أحواله سيحمل فوق عاتقه أثقالاً من الإحباط اليومي وينتظر ساعة الانصراف كي يتنفس الصعداء ، ولذا سأتجاوز الحديث عن الموظف لأنتقل لمديره .

  • المدير المباشر هو أحد أسباب النكبة التي تحل بالموظفين ، فمن المعروف لدينا أن أحد أهم أركان وأساسيات التمتع بكرسي الإدارة لدى بعض مدراء الإدارات والأقسام هو تجميع ( شلة ) تكون بمثابة خط دفاع (فزعة) ورابطة مشجعين كفيلة بإبقاء هذا المدير على كرسيه أكبر مدة ممكنة في مقابل جلسات القهوة والشاي في (المختصر) وتبادل أطراف الحديث والطرائف والتفكّه بالتندر على فلان وعلان والإدارة الفلانية والقسم العلاني ، وفي نهاية الشهر يقتسمون خارج الدوام والانتدابات والدورات التدريبية ووو إلخ ، طبعاً حتى تكون من ضمن هذه ( الشلة ) الذهبية لا بد أن تتمتع بمواصفات خلّاقة لن يتقنها الموظف العملي الذي يعمل بمهنية ، فإن لم يكن المدير المباشر من أهل هذا التوجه فلربما كان من ذاك النوع الذي يعاني من أمراض نفسية متعددة فهو ضعيف في شخصيته فكل يوم له توجه وكل فترة له قرار حسب من يؤثر عليه ويتحكم به من فريق عمله فلا تعلم هل هو متجه ذات اليمين أم ذات الشمال ، أو يكون مزاجي الطبع فيأتيك في يوم يشعلك حماساً للعمل ويدفعك لإعداد خطة لمهامك ثم يأتيك بعدها بيومين ليُسرّ لك أنه لا داعي لكل هذا الحماس وأن الأمور يجب أن تسير ( بالبركة ) فالتخطيط أمر مزعج ، فإن سَلِم مديرك المباشر من هذا وذاك فلربما أتوا لك بمدير مباشر ذكي وعملي لكنه دونك في القدرات أو على أقل تقدير مساوٍ لك فيها وأنت الأسبق في هذه المنظمة وأكثر خبرة فيها ويأخذ راتباً كراتبك لكن توجد مشكلة (بسيطة جداً) أنه في أقصى اليمين يوجد صفراً إضافياً في راتبه لأن ميزته الوحيدة عنك أنه مستقطب من القطاع الخاص وطبعاً أنت مطالب أن تعمل معه بنفس روحه وحماسه وتفانيه وإنتاجيته وسهره ووطنيته ووو … لكن ليس بالضرورة أن تنال نفس الصفر الأخير في راتبك الذي أرهقته الأقساط والفواتير كما يناله هو ، ولا أحتاج أن أقول أنه ليس كل المدراء يدخلون في هذا التصنيف أو ذاك ولكنني أقول أن الأغلب هكذا ، كما أن هناك مظاهر سلبية أخرى آثرت الاقتصار على ما ذكرته اختصاراً للوقت ولأنها أشهرها وأكثرها انتشاراً .

  • أما إدارات شئون الموظفين والمسئولة عن (شئون) الموظفين كما يبدو من اسمها والتي من أهم مسئولياتها هي توفير البيئة الصحية المحفزة لجميع الموظفين في المنظمة كي تهيء لهم مكاناً آمناً للعطاء نجدها تقتصر في عملها على خطابات المسائلة عن تأخير أو تقصير أو تذكير الموظف بواجباته دون حقوقه والتهديد والوعيد ، حتى إذا ما قيل للموظف أن خطاباً وصل باسمه من شئون الموظفين أظلمت الدنيا في وجهه وتمنى أن تنشق الأرض وتبلعه ، هذا علاوة على مهامها الأخرى من فقدان ملفك أو عدم احتساب دورتك التدريبية التي جاهدت سنوات كي تحصل عليها وغير ذلك ، هذه الإدارة التي لها من الشأن في تنظيم العمل وتحفيز الموظفين وتنمية رأس المال البشري في المنظمة الشيء الكثير هي في قطاعاتنا الحكومية بيئة خصبة لتكاثر بكتيريا الخمول والكسل والروتين والبيروقراطية إلا ما ندر ، فلا شفافية في حقوق الموظفين ولا حرص على حل مشاكلهم ولا مبادرة في توفير البيئة الصحية ولا نظام عصري عادل محكم وشفاف للحوافز ولا نظام للترقي في المناصب والمسئوليات ، فالموظف الحكومي المتميز تجده يحفر الصخر لسنوات طويلة ويظل قابعاً في مكانه لا يراوحه بينما يمر عليه زميل تلو الآخر أقل منه إمكانيات وتأهيل وإنتاجية ويقفز من منصبٍ لآخر ، أما تقييم الأداء الوظيفي فهذا طرفة الطرائف وأعجوبة الزمن ، فبأي حجة نريد أن يكون الموظف الحكومي متميزاً معطاءً وهو يعيش في هذا الجو الخانق .

  • وكلما ارتقينا درجات السلم كلما وصلنا للجزء الأهم وحجر الزاوية من تحمّل مسئولية منظومة الخلل ، فها هي الإدارة العليا في غالب خطاباتها وخصوصاً في أول أيام توليها للمسئولية تعلن أن أول أولوياتها هم ( الموظفين ) فتتهلل أسارير المساكين وتبتهج قلوبهم وتسمع حرارة التصفيق ويتبادلون التهاني والتبريكات على هذه الإدارة الإنسانية العصرية كما هي عادة الإنسان دائماً ما تؤثر فيه الخطابات العاطفية ، وما أن تمر الشهور إلا ويكتشف المخدوعون أن ما قيل لا يعدو إلا أن يكون مخدراً وقتياً سيتم ترديده حتى يتم اختراع مخدرٍ آخر وهكذا حتى تمر فترة التكليف بأكثر المكاسب للمسئول الكبير وبأقل المكاسب للموظف المسكين ، ويأتي مسئول جديد ويطلق وعوداً جديدة وتستمر الحياة ، أو يأتيك ذاك المسئول الذي قد عاش عُقَداً في حقبة من تاريخ حياته جعلته يشعر بالنقص بشكل فظيع ولم يجد مكاناً يعالج فيه هذه المعضلة إلا في منصبه فيشرع باستقطاب فئة ( سم طال عمرك ) على حساب المهنيين الذين يحترمون ذواتهم وعملهم ولا يقبلوا إلا أن يكونوا أدوات بناء وتنمية لا معاول هدم ومصارف هدر ، أو ذاك المسئول الكبير الذي يظن أن الموظف مجرد آلة صماء يعمل متى ما أدار معاليه زر التشغيل ولا يجب أن يتوقف إلا إذا أطفئه معاليه بنفسه ، ويحمل شعار “أحلبه حتى آخر قطرة” ، هذا النوع من المسئولين الذين انقرضوا من عشرات السنوات من العالم كله لازالوا يتكاثرون لدينا رغم أن الكثير منهم تعلّم في الخارج وقد كُتب لي أن أجلس مع غير واحد منهم بجلساتٍ خاصة وحينما يأتي الحديث عن العمل وحقوق فريق العمل فإذا هو ذاك المسئول الإنساني العصري الذي يؤمن بأن الإنتاجية لا تتحقق إلا بخلق بيئة تقوم على العدالة والشفافية والتحفيز الخلاق ، وقد بت الآن مدركاً أن ثمة انفصام شديد بين ما في عقول بعض المسئولين من معارف إدارية وبين سلوكهم الإداري ، هذا خلاف المركزية المقيتة القائمة على مبدأ الشك ، ورفع سقف التوقعات مع الشح في توفير الإمكانيات والتقتير بها رغم سهولة توفيرها ، والغموض و عدم الشفافية الذي يجعلك تحار أحياناً أمام بعض المسئولين فتقف مشدوهاً ، مسدلاً يديك ، حانياً ظهرك ، قائلاً  “ماذا يريد بالضبط ؟!!” .

  • أما الجهة المعنية بهذا كله وهي وزارة الخدمة المدنية فإني أتساءل بماذا تفكر يا ترى ؟! فرغم ما نعيشه في المملكة من تطور ونمو وازدهار ووعي ورغم ما تملكه الدولة من توجهات نحو التحول الوطني وتطوير بيئة العمل الحكومي إلا أنها لا حراك لها ولا نسمع لها صوتاً ولا أثر ، يجب أن يكون هناك تطوير لبيئة العمل الحكومي تقوده وزارة الخدمة المدنية لانتشاله من الوحل المعيق لأي تقدم سريع للأمام ، إن لسان حال الموظف المتميز المؤهل ذو الخبرة في القطاع الحكومي اليوم يقول “إن أصعب أيام حياتك حين تعيش جزءاً من عمرك في بيئة عمل لا تقدر إمكانياتك ولا تستطيع أن تمارس فيها ما تعلمته”

أبعد هذا السرد المختصر جداً لمنظومة الخلل نختزل سبب ضعف إنتاجية الموظف الحكومي في الموظف نفسه !!

من المسئول عن أنظمة الموارد البشرية في الجهات الحكومية التي عفى عليها الزمن ولم تعد تصلح للتحفيز ولا تتناسب مع متطلبات المجتمع الوظيفي المعاصر ، من المسئول عن العدالة في القطاع الحكومي وتحقيقها كي لا يكون هناك موظفان بنفس الإمكانيات والخبرات أحدهما يستلم راتباً لا يتجاوز 20% من راتب الآخر رغم أنه أقدم منه في نفس الجهة وخبرته فيها أوسع أو أحدهما يتمتع بمميزات مادية ومعنوية لأنه قريب من صاحب القرار دون الآخر ، من المسئول عن ضبابية مستقبل الموظف الحكومي وحقه في معرفة أين سيكون بعد 5 أو 10 أو 15 سنة من العمل والخبرة والإنتاجية .. وغير ذلك من النقاط والإشكاليات التي لا حصر لها ..

إذاً أخرجوا الموظف الحكومي من دائرة التهمة بشكلٍ مؤقت حتى تتم معالجة الإشكاليات التي تقع خارج نطاق مسئوليته أولاً ثم نعود إليه لنضعه تحت المجهر من جديد ..

الحديث متشعب ، وكما قلت لك عزيزتي/عزيزي القاريء الكريم في بداية المقال أن القضية التي تناولتها في هذا المقال عبارة عن منظومة معقدة من الخلل في قطاعاتنا الحكومية تنامت مع الوقت ولن نستطيع أن نأتي على كل تفاصيلها في مقال ولكنني آثرت أن أتطرق لأعمدة الخلل بشكل سريع ومختصر جداً متجاوزاً الكثير من الأمثلة والمظاهر حتى لا أطيل ولأنني مدرك تماماً أن في مخيلتكم وأنتم تقرأون هذا المقال أضعاف أضعاف ما ذكرته أنا .

ختاماً أقول :

  • إن السعي الجاد لتطوير بيئة العمل الحكومي يجب أن تتبناه وزارة الخدمة المدنية ولا يترك الأمر لاجتهادات الجهات الحكومية حتى يكون العمل على مستوى عالٍ من التنظيم والاحترافية وحتى يخلو من المزاجية في التطبيق ، وأن أي محاولات للتطوير لن تكون تحت مظلة الوزارة وإشرافها الجاد والصادق وبعقول متفتحة ومطلعة على تجارب ناجحة تستطيع استقطابها وتطبيقها لن يكون لتلك المحاولات أي أثر يذكر .

  • اقترح على وزارة الخدمة المدنية أن تستحدث برنامجاً وطنياً لتحسين بيئة العمل وتضع له معايير ومسابقات وحوافز وتستفيد من بيوت الخبرة في هذا المجال .

  • قبل عدة أشهر أعلنت وزارة الخدمة المدنية عن إنشاء إدارة عامة للموارد البشرية وتحويل إدارات شئون الموظفين تحت نطاق عملها ، وقد باركت في حينها للأستاذ أسامة الهاشم تعيينه مستشاراً ومشرفاً عاماً عليها ونتطلع أن تكون هذه الإدارة منطلقاً للتطوير المأمول .

  • إن إصلاح البيئة الوظيفية لن يساهم فقط في رفع الإنتاجية بل وسيساهم بشكل فاعل في الحد من مظاهر الفساد المالي والإداري .

  • لقد طرحت مبادرات وأفكار في فترات سابقة في برنامج التواصل الاجتماعي ( تويتر ) تحتوي على مقترحات قد تساهم بشكل بسيط وليس بشكل كامل في تحسين جزء من الخلل فالحلول الكاملة لا يمكن أن تكون عبر تغريدات ، وقد جمعت هذه الأفكار و أنشأت لها (هاشتاقات) بعنوان :

#الجائزة_السنوية_لتكريم_المبدعين

#رواد_الأفكار

 

وأخيراً ، قادة هذا البلد لم يدخروا جهداً ولا مالاً في تطوير الوطن ، ومن كان في موضع مسئولية فعليه يقع العبء الأكبر في تقديم النتائج على الأرض وليس على الورق أو الأماني والوعود ، نريد أن نتخلص من الهدر الهائل في رأس المال البشري ، وهذا يحتاج لوقفة جادة وعاجلة .

 أحمد عبدالعزيز الجبرين

1437-7-26

Advertisements

4 تعليقات على “القطاع العام .. ومنظومة الخلل

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: