أنت غيري أم نركسوسي ؟!!

53e32b27611e9b445b8b457c

كثيراً ما أتسائل لماذا يستمتع بعض البشر بأن يكونوا أنانيين , كل همهم وتخطيطهم وهاجسهم وتدبيرهم وحبهم وكرههم وإقبالهم وإدبارهم وعطائهم ومنعهم مبني على أساس واحد فقط هو ماذا سأكسب , هل يا ترى في ذلك لذة ؟!!

هل بالانفراد بالأرباح والسعادة والمرح لذة تجعل البعضَ (الكثييير) يلهث ورائها !

لا أرغب في الاستطراد بذكر مظاهر الأنانية فأنا أعلم أن ما لديكم يفوق ما لدي من أمثلة وتجارب , لكنني أرغب في طرح هذا السؤال : لماذا الأنانية ؟!

هل الإنسان يا ترى مفطور على الأنانية والنرجسية ؟ لا شك أن حب الذات شيء فطري بل وإيجابي فأنت إذا أحببت ذاتك ستتعامل مع الحياة بشكل أفضل وستحقق نجاحاً مبهراً بعيداً عن عقدة الإحساس بالنقص , لكن الأنانية هي تجاوز حب الذات إلى الطغيان في حب الذات فلا يصبح لديك مراعاة لشعور وحقوق من حولك ليس لك همٌّ إلا إرضاء ذاتك وإشباع رغباتك حتى لو كانت على حساب الآخرين , وهذا كما صنفه علماء النفس بمرض “النرجسية” , وتعود قصة النرجسية كما تقول الأسطورة اليونانية إلى شاب جميل يُدعى ” نركسوس ” عشق نفسه حتى الموت غرقاً عندما رأى انعكاس وجهه في الماء .

ذكر علماء النفس أن هناك مرضاً أشد وأعتى من النرجسية وهو “النرجسية المنحرفة” والتي تقوم على الرغبة والتلذذ بسحق الطرف الآخر والسعي نحو ” الأنا ” بشكل مقزز وفظيع بحيث لا يكتفي بالحصول والظفر بكل المكاسب بل والإنهاء والإجهاز على كل من يملك شيئاً شبيهاً بما لديه , ومن علاماته كذلك استخدام الآخرين لتحقيق مصالحه بصورة ديكتاتورية وفجة ثم سحقهم ورميهم خلفه إذا تأكد أنه قد استنفد منهم جميع ما يرغب به .

في اعتقادي أن البيئة التي يتربى فيها الشخص ويرضع منها قيمه وسلوكياته لها دور كبير في تنمية المشاعر الإيجابية أو السلبية سواءً في المنزل أو في المدرسة أو في المجتمع بشكل عام , ففي بعض الأسر أو المجتمعات التعليمية تجد أن هناك تعزيزاً مباشراً أو غير مباشر للأنانية من خلال تنبيه الطفل ألا يشارك أحداً أو يتعاطف مع زميل أو إشعاره بأنه أفضل من الجميع وغير ذلك من الممارسات غير المقصودة في تعزيز الأنانية والنرجسية في البناء السلوكي والنفسي لدى الطفل , وفي المقابل لا نجد تلك البرامج المقننة التي تزرع في نفوس الناشئة بعض السلوك الإنساني القائم على حب العطاء والمشاركة وكسر شوكة التعالي والفوقية .

وكما أن للمجتمع تأثير فإن للتجارب القاسية والفاشلة التي مر بها الشخص في حياته دافعاً لأن يمارس على الآخرين ما عاناه هو مع غيره لاعتقاده أن الحياة لن يعيش فيها إلا الأناني كما نسمع الكثير من المُحبَطين يرددون ذلك أو عباراتٍ نحوها , فيتحوّل قلبه مع الوقت إلى حجارة قاسية ليس له هوايةً إلا تحطيم القلوب ونهب السعادة التي بداخلها ثم تركها خاوية مظلمة .

أُدرك أن بعضاً منكم يقول لي الآن وهل تريدنا أن ننسى أنفسنا لأجل الآخرين , طبعاً “لا” فكما أشرت في بداية المقال أن حب الذات شيءٌ مهم وضروري للنجاح , والسعي والاجتهاد نحو تحقيق المصالح الذاتية أمرٌ مشروع بل وواجب وهذه سنة الله في الكون , لكن أن يتحول ذلك السعي إلى ألا نرى في سباق الحياة إلا أنفسنا فذلك شيءٌ مقززٌ فعلاً .

إذاً ما العمل مع الأناني خصوصاً إذا كنا مضطرين أن نتعامل معه كقريب أو صديق , علينا أن ندرك شيئاً مهماً وهو أنه في كثير من الأحيان لا يشعر الأناني بأنه أناني وهذا بحد ذاته شيءٌ جيد يجعلنا نتقبل أن ما فيه من نرجسية هو سلوكٌ غير مقصود وأن بإمكاننا تغييره مع المصارحة والمكاشفة والصبر , كذلك يجب علينا أن نشعره بأننا لا نسعى أن نكون أفضل منه لأننا راضون بما لدينا , ونشعره بأننا لن نحاول أبداً أن نمدّ أيدي فضولنا نحو شيءٍ يملكه فلا حاجة لنا بذلك , لكن حذار وأنت في خضم تلك المحاولات في كسب صديقك الأناني أن تسمح له باستغلالك وتجعله يمارس عليك نرجسيته فتقع ضحيةً لجرحٍ عميق قد يصاحبك دهراً من الزمن .

لا أُخفيكم سراً لقد قررت أن أكون أنانياً في لحظة من اللحظات التي أرهقتني فيها كثرة المواقف التي تفوح بالأنانية , إن “نركسوس” لم يمت فالنركسوسيين موجودون في كل مكان بيينا ربما الفرق بينهم و بين نركسوس الأصلي أنه كان آيةً في الجمال وهم آيةٌ في القبح ومع ذلك فهم أنانيون ومتعالون حد الغثيان , أقول لقد قررت أن أكون أنانياً فلمّا حاولت تقمص الدور إذ بالمساكين يعيشون حياةً بائسة فهم لا يستطيعون أن يبتسموا بوجهك إلا ابتسامة صفراء , ليس لديهم القدرة على رؤية الجمال في الآخرين وفي الأشياء , فالجمال كله محصوراً بهم ولهم فحسب , ولما تعمّقت بأدوارهم أكثر وجدتهم لا تمتد أيديهم بلمسةٍ حانية ولا قلوبهم بعطفٍ حنون , إنهم لا يعرفون حتى نطق هذه المصطلحات وليست في قاموسهم أصلاً , لقد زاد يقيني بأن “الغيرية” وإن كانت محفوفةً بالصدمات والطعنات والخذلان إلا أنها حياةٌ مليئة بالإنسانية .

“الغيرية” هي عكس الأنانية , أتعلمون ذلك الشيء الذي نبحث عنه ونلهث ورائه طوال عمرنا والذي يسمى “السعادة” ؟ إننا لن نستطيع الحصول عليها إلا أن نكون “غيريين” ولن نكون كذلك حتى نمتلك قلوباً كبيرة جداً

بيضاء جداً

سخيةً جداً

متسامحةً جداً .

 

أحمد بن عبدالعزيز الجبرين

Advertisements

تعليقان على “أنت غيري أم نركسوسي ؟!!

  1. من العناوين التي لفتت انتباهي
    الانانيه وما ادراك يا استاذي مالأنانيه
    نحن لا نحتاج لضرب الامثلة فنحن نعيش فيها
    الاغرب ان يكون التصريح بالأنانيه بشكل فج وسخيف حيث صرح أنا أسعى لنفسى (والباقي ان شالله يحترقون)
    هل من الممكن ان تصل الانانيه الى هذا المستوى ؟؟

    جميل ان نوازن بين حاجاتنا الشخصيه وتعايشنا بشكل ايجابي مع المجتمع
    والموازنه ليست بالسهولة التي نتوقعها فنفسك تتراوح فيها بين التنازل والتغاضي والحزم والعزم واللين والجد
    ومتى ما حققناها حققنا انجازنا يسعد قلوبنا ويجعلنا نعيش بشكل مريح جدا
    بصراحه احببت المسمى جدا الغيري جميله ومستحدثه
    استمتعت وانا اقرأ حروف المقال
    دمت مبدعا دائما استاذ احمد

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: