من وحي عصفوري !!

6a00d8341d298353ef00e551f1c1b18833-800wi

كان يوما مبهجا حيث توارت الشمس بين تيك الغيمات الرمادية .. أحسست وأنا في غرفتي أنني أفقد الضوء شيئاً فشيئاً رغم أننا في النهار ..!! سرقت النظر من شباكي إلى الخارج فإذا بالسماء قد تغطت حتى غصت بالغيوم الحبلى من المطر .. فتحت الشباك فلفح وجهي ذلك الهواء اللطيف المعطر برائحة المطر الزاكية .. تنفست بعمق .. سمعت أصوات الرعود تأتي من بعيد .. آآآآه كم أعشقك أيها المطر ..

تناولت معطفي الأسود مسرعاً نحو باب غرفتي كي أستقبل استهلالت المطر .. نزلت درجات السلم بطريقة موسيقية كما يفعل الأطفال حينما ينتظرون خبرا مفرحا .. ماذا فعلت بي أيها المطر .. !!

خرجت إلى حديقة المنزل فإذا قطراته الأولى قد بدأت بالوصول .. مُطرنا بفضل الله ورحمته .. هلٌمَّ يا حبيبي .. أقبل أيها المطر فلطالما انتظرتك .. بللني بطهارتك ونقائك .. أسقط على شفتاي قطراتك الحلوة حتى أحتضنها و أداعبها بلساني .. ما أجملك أيها المطر .. فيك كل المعاني الرائعة .. كيف لا .. ؟! وأنت حديث عهد بربك .. ليتك تنزل على قلوبنا فتغيثها بفيضٍ من طهارتك فتغسلها من أدرانها وأحقادها .. وتنساب عليها فتمنحها رقةً وعذوبةً وليونة فلقد أصبحت كجلمد الصخر ..

تعبت من الوقوف فجلست على عتبة الباب تسترني شرفته وأنا أرقب ذلك المنظر الساحر .. اعتدت دائماً ألا أدخل لغرفتي حتى ينتهي المطر فهو لي زادٌ انتظره بشغف .. نسيت كل شيء وأخذت إجازة عن التفكير عن أي شيء وطفقت لا أرفع ناظريّ عن منظر المطر وهو يسقط على الأرض فتتبعثر قطراته وكأنها فرق إنقاذٍ .. من حين أن تصل للأرض المنكوبة يتوزع أفرادها لإغاثة الجرحى والمحتاجين ..

وأنا ساهمٌ في ذلك المنظر عدت لاسترجاع الذكريات .. وما أجمل ذكريات المطر .. تعالت إلى مسمعي أصواتنا ونحن صغار حينما نرقص طرباً ونحن حفاة تحت زخات المطر وكيف كانت نفوسنا تنشرح وضحكاتنا تتعالى استبشاراً وفرحاً بمقدمه .. حتى الصغار يفرحون بك فما أعظمك من قلبٍ حنون تملئ قلوب الكل بشراً وسروراً ..

أيها السادة لم ينتهِ حديثي .. بل لم يبتدأ بعد ..

توقف المطر .. تقشعت الغيوم الرمادية .. تلاشت فِرقُ الإنقاذ بعد أن أدت مهمتها على أكمل وجه .. هبت رياح عليلة محملة برائحة المطر وكأنها تذكرنا بالحبيب الذي رحل للتو …

أشرق كل شيء .. تلونت الحياة من جديد .. وازداد اخضرار حديقتي الصغيرة .. وأشرقت نفسي وازدادت همتي ..

رفعت بصري نحو شجرتي المنتصبة بشموخ وكبرياء وأحسست بأنها تبارك لي بالمطر وتبادلني السعادة والاستبشار ..

تفقدت عش عصفوري الشجي الذي طالما أطربني بتغريده عند إشراقة كل صبيحة وأنا أنفض غبار النوم عن سريري الخشبي .. يا الله .. لقد تهدم عشه .. مسكينٌ ذلك العصفور لابد أنه الآن حزين فقد تهدم بيته وتشرد أطفاله وأيّنا من لا يحزن على هذا الحال لو جرى له .. ؟! سأُحرم من صوته العذب .. كيف سأصبر عنه وقد اعتدت عليه …

وبينما أنا غارقٌ في الحزن على عصفوري المنكوب .. إذا بصوته يأتي من على شجرتي العزيزة .. فما كان مني إلا التفاتةٌ سريعة بذهول فإذا بعصفوري الجميل وهو يتنقل من شجرة إلى شجرة حاملاً أغصاناً جديدة لعشه الجديد .. ومازال يترنم .. !! الألحان هي الألحان لم تتغير .. والعذوبة هي العذوبة لم تتبدل ..

سبحان الله ..!!

أبعد كل ما حصل لك تستمر في التغريد .. ؟! أبعد كل تلك الجراح وما زلت شجياً طَرِباً ..؟! ما أروع ثباتك ويقينك وشموخك ..

حينها علَت محيّاي بسمة نشوةٍ ورضا .. فعاهدت نفسي ألا أجعل صروف الدهر تسلبني لحظات السعادة وألا تقيدني عن أي شيءٍ جميلٍ أتقن صنعه .. سأبقى شامخاً .. وسوف أغرد رغم الألم ..
أحمد بن عبدالعزيز الجبرين

Advertisements

تعليقان على “من وحي عصفوري !!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: