معامل الشيطان في رؤوسنا ..!!

 

17-5

تعرفون الحكمة القديمة التي تقول “عقل الكسلان معمل الشيطان” إنها حكمة قصيرة جمعت معاني عميقة ومهمة .. فلا شك أن العقل الخامل الكسول هو مرتع ومستنقع خطير تجتمع فيه أفكار الشياطين ووساوسها وتنبت فيه أحابيلها .. كالماء الراكد يتعفن ويصبح مصدراً للأمراض ..

إنها نتيجة طبيعية لعدم الاستفادة من أداة مذهلة وهبها الله لنا وميّزنا فيها عن غيرنا من المخلوقات وأمرنا في مواضع كثيرة من كتابه الكريم بإعمال هذه الأداة من خلال التفكّر والتوسّم .. فالعقل خُلق للتفكير والبحث والتحليل والنقاش والتشكيك والنقد والإبداع .. فإن لم يُستعمل لهذه الأغراض فستعشعش فيه الكثير من الآفات الاجتماعية والأمراض النفسية ..

والحقيقة أن الأمر لا يتوقف هنا فقط .. بل يزداد الأمر خطورةً حينما يُعلن في الأمة والمجتمع عن حظر تجول العقل وعدم السماح له بالتفكير ويرسّخ في عقول وأذهان الأجيال .. جيلاً بعد جيل .. أن ممارسة وظائف العقل من العيوب والمحرمات .. فلا تسأل ولا تناقش ولا تقرأ ولا تجرؤ على التحليل والمقارنة والنقد أما إذا شككت فأنت على خطرٍ عظيم .. فلماذا خلق الله العقل إذاً !! ولماذا نتباهى به على البهائم !!

فعلاً لقد تربينا أجيالاً تلو الأخرى على اضطهاد العقل والتحذير منه حتى قادنا ذلك لأن نكون أجهزة استقبال وتخزين وتلقين .. نسخاً مكررة نمارس نفس النمط ونفس النهج ونفس الأسلوب ونفس الرأي وننقل ذلك للأجيال التي تلينا وهكذا .. حتى أصبح المجتمع العربي والمسلم من المجتمعات المتأخرة بعد أن قاد العالم في عصره الذهبي ( 650 م – 1650 م ) بعلمائه الذي عرفوا قيمة العقل فأعملوه وأسسوا قواعد العلوم التي يتباهى بها الغرب الآن ..

أثبتت الدراسات أن بيئة و ثقافة المجتمع تجاه العقل تنعكس بصورة مباشرة على طريقة تفكير أفراده وسلوكياتهم تجاهه .. ولذا نجد مجتمعات تتفوق في مستوى التفكير التحليلي وأخرى تتميز في مستوى التفكير العملي .. وأخرى بكل أسف قد أجّرت عقولها للشيطان لينشيء معامله فيها ..

إن مجتمعنا اليوم يعيش أزمةً حقيقية تجاه العقل والتفكير .. فبعد الثورة المعلوماتية والانفتاح على العالم من خلال شبكات التواصل الاجتماعي لم يعد هناك مجالٌ للتعمية على العقول وفرض الحصار عليها فالأبواب باتت مُشرعةً في كل اتجاه .. والمشكلة هنا أن العقول لم تكن مهيأة للكم الهائل من الصدمات الثقافية والحضارية والمجتمعية بسبب ذلك الحصار الذي كان جاثماً عليها فرأينا الكثير من مظاهر انتحار العقول على أعتاب سلوكياتٍ وأنماطٍ من التفكير لم تحسن التعامل معها فجرفتها نحو المهلكة تماماً كالسجين في غرفة مظلمة لسنوات ثم فجأة هُدم جدار السجن فأعمت أشعة الشمس عينيه .. وليس معنى ذلك أنه لا يوجد الكثير من العقول أيضاً تنفست الصعداء فأبدعت وأنتجت وقدمت الأنموذج الرائع للمسلم الخلّاق الذي قدر نعمة العقل فأخرج زكاته ..

إن تشجيع التفكير وإعمال العقل هو المنقذ بعد الله لهذه الأمة من الغرق الذي تعيشه .. غرق الخلافات والحزبيات .. غرق الترّهات والسَفَه .. غرق الجهل والسطحية .. غرق المفاهيم المغلوطة .. يجب أن نبدأ بأنفسنا ثم بأبنائنا وبناتنا .. لنحتضنهم ونفسح لعقولهم الحرية ونهيأ لهم جواً صحياً ليحلقوا فيه بفكرهم .. لا تزجروا .. لا تنفّروا .. لا تهددوا .. لا تغضبوا من أي فكرة لا تروقكم منهم .. ناقشوهم .. بيّنوا لهم .. لا للإملاءات وجلد العقول والحجر عليها ..

آن لنا كمجتمعٍ عربي ومسلم أن نتدارك أوضاعنا الثقافية والاجتماعية وأن نعيد رسم خارطة الطريق نحو النهوض بالفكر والتفكير كي نستطيع اقتحام مرحلة جديدة مستخدمين فيها فرس رهانٍ لا يشق له غبار وذلك من باب ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) وهل هناك أعظم من قوة العقل ؟!

الجمعة 12 / 10 / 1435 هـ

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: