حمى التصنيف .. وثقافة الرفض

من قديم الزمان والناس يتشكلون عبر مجموعاتٍ ومنظماتٍ وأحزاب وهذا شيءٌ متعارف عليه وألفه الناس .. حتى أن داخل المجموعة أو الطائفة الواحدة تجد الانقسام والتعدد .. ليس هذا هو المهم ..

الغريب والمحزن في الأمر أن مجتمعنا العربي والإسلامي وخصوصاً في الآونة الأخيرة انخرط في دوامة رهيبة من الانقسامات والتحزبات المحمومة والتي تثار على صفيح حامٍ يحرق كل يدٍ تمتد إليه .. لقد وصلنا لدرجةٍ من الاحتقان لا يقبل فيها بالأخذ والعطاء ولا مجال فيها للتحاور السلمي الهاديء .. ما إن تنطق برأيك أو اجتهادك إلا وتنهال عليك حرب التصنيف والتي يتبعها حروب أخرى كالاتهام في النيات واللعن والقذف حتى الأعراض لم تسلم من تلك الحمى التي أكلت كل أخضرٍ ويابسٍ في قلوبنا نحو بعضنا البعض ..

والمضحك المبكي في الأمر أن الجميع يدعي أنه صاحب الحجة وأنه يتبع النهج الحضاري في الخلاف والاختلاف وأن ما يطبقه هو الإسلام و المنهج النبوي الحق الذي لا مناص عنه ولا مفر .. كل يدعي وصلاً بليلى ..

لقد أصبح الخلاف بيننا فرصة لممارسة رياضة المصارعة الفكرية وفرد العضلات وتلميع المسميات بعيد كل البعد عن المنهج النبوي الذي لم يدعو قط للفرقة والسب والشتم والإقصاء والقذف وتحليل ما في النفوس .. لم يدعنا قط للتحزبات والطائفيات التي ينخر بعضها في جسد بعض ..

لو أن ما يصرفه أولئك من الساعات بل الأيام والشهور والسنوات من إعداد العدة للرد والتهجم والمناضرة والمطاحنة والمصارعة الحرة والغير حرة على أخيه الذي يشاركه الهوية والنشأة والملة .. إلى عملٍ سامٍ ينهض بنفسه أولاً وبأمته ثانياً لكان حالنا مختلفٌ تمام الاختلاف عما نحن عليه الآن ..

إن العتب في هذه القضية لا يقع على سفهاء القوم أو صغارهم ولكن العتب كل العتب حينما نرى من يفجر بالخصومة وهو رمزٌ من رموز الثقافة أو التنوير أو الدعوة .. هنا يجب أن نقف ونراجع منهجنا وحقيقة مواقفنا .. حتى وإن اختلفنا يجب أن تبقى أواصر العلاقة الحميمة التي تجمعنا كإخوة ومجتمع وعرق .. وأن لا يكون هذا الخلاف سبباً في أن يخسر بعضنا بعضاً وأن يقصي أحدنا الآخر .. فكلٌ يؤخذ من قوله ويرد ..

لقد نجح الشيطان نجاحاً مبهراً ولا أجده إلا يحتفل راقصاً هو وجنده كلما وجد مقال تشذيب أو فتوى تكفير نتقاذفها بيننا .. لقد يئس الشيطان قديماً أن يرجع الشرك إلى أرض الجزيرة فصمم على أن يفرق المسلمين ويجعلهم مسلمون بلا هوية إسلامية ولا صفٍ كالبنيان المرصوص .. إليكم ما علمناه حبيبنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ ) رواه مسلم (2821) .. لقد استطاع فعلاً أن يجعلنا نرى من يخالفنا من إخواننا كالشيطان وننسى الشيطان الحقيقي ونغفل عن مكيدته ..

لقد بلغ بنا التناحر والتطاحن إلى حدٍ أشك فيه أننا سنتصالح حتى لو اتفقنا بالرأي .. لأنني أظن أننا نسينا كيف يتصالح البشر مع بعضهم وكيف يمارسون حياتهم بهدوءٍ .. لقد اعتدنا على الضجيج والصراخ فحتى لو اتفقنا بالرأي لا بد أن نبتكر شيئاً كي نملئ الفراغ بالمشاحنات والجدل .. يا إلهي أي غيهبٍ من الظلمات نحن فيه الآن ؟

Advertisements

تعليق واحد على

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: